( المـــروءة الذبيــــحة )
.......................... .. قصة قصيرة بقلمي الكاتب ( عاطف عبد الله )
شيخ قد تخطي ربيعه السبعين بعامين.. يدخل من الباب العمومي لمكتب التأمينات تتخبطه الأكتاف المتزاحمة من رجال ونساء وأطفال وفتيان وفتيات ..يشق طريقه بصعوبة بالغة ..ممسكا في يمينه ببطاقة الحصول علي معاشه الشهري الهزيل ..ويتكئ بيسراه علي عكازه الذي يحاول به صلب ما تبقي له من بدن هزيل ...ألقت عليه كل السنوات السحيقة... بالكثير من هموم الدنيا وويلاتها ..وتعانقت أخاديد الزمن المحفوره في كل أنحاء وجهه المحدب مع نظرات عينيه الضيقتين الحائرتين الحزينتين .. انتصف نهار ديسمبر البارد الا أن معطفه الأسود المرقع والذي يحتوي جسده النحيل لايكفيه ولا يغنيه من رعشة تنتابه من حين الي آخر ..الصالة المزدحة بالبشر دون نظام أو تمييز تحدث هرجا ومرجا بين مرتادي المكتب والموظفين ..ما زال الشيخ يصارع من أجل الوصول الي مكتب الموظف المختص ...هاهو يصل اليه أخيرا فيعطيه بطاقته ...وفجأة ينهال عليه سبا ولعنا ثم يلقي بالبطاقة في وجهه ..وهو يلوح للجميع قائلا :
--- شوفوا بقي ..اللي موش ها يحترم النظام موش أعمل له حاجة
--- أيوة يابني بس أنا في مقام والدك وعيب كدة لما تكلمني بالطريقة دي وبعدين المفروض انو أنا ليا الأولوية.. أنا تعبان ومريض وراجل طاعن في السن
--- يعني انت أحسن من الناس دي كلها ...وبعدين انت عاوز ايه من الدنيا تاني ..انتة ها تاخد زمنك وزمن غيرك ...امشي ارجع واقف في الصف ...
تدمع عينا الشيخ الكبير تحسرا علي هذا الزمن الغريب الذي لم يعهده من قبل ولم يتربي عليه منذ أن وطأت قدماه الي تلك الدنيئة ..وقد علمه أبيه قاعدتين هامتين أولاهما أن يحترم الصغير الكبير وثانيهما أن يعطف الكبير علي الصغير... وهكذا علمها لابنه الوحيد الذي لم يرد له الله الحياة ...فرحل وهوفي ريعان شبابه في حادث أليم ... ينظر الجميع اليه في شفقة ..يبدون كمن أكلت القطة ألسنتهم خوفا من تعطل مصالحهم من قبل هذا الموظف الجائر ...تقع من يسار العجوز منسأته قلم يقدر علي الانحناء ليلتقطها ..وفجأة ...يتقدم مسرعا نحوه في انحناءة خاطفة ..شاب من الخلف ليلتقطها ويعطيها اليه ثم يتأبط ذراع الشيخ ويعود به في رفق الي ذلك الموظف عديم الاحترام .. وهو يصرخ في وجهه في غضب :
--- هوا أبوك علمك تعامل الضعفاء والشيوخ بتلك الطريقة القذرة
ينظر الموظف اليه مندهشا ثم يهب واقفا صارخا بأعلي صوته :
--- أيوة أيوة اعمل بطل عليا انت كمان ...تعالوا ياناس شوفوا العطلة بتيجي منين ..طب ايه رأيك انو موش ها ياخد مرتبه النهاردة ويا انا يا انت وهوا ..
تمتد يد الشاب الي الموظف لتصفعه صفعة قوية ثم يمسك بتلابيبه فيكاد يخنقه فيهرع اليه زملاؤه فيخلصونه من يد الشاب الواثق من نفسه.. فينصرف الي الداخل ويأتي غيره فيقوم بصرف المعاش للشيخ الكبير في صمت وذهول من الجميع... ثم يحتضنه في حنان ويسير معه الي البوابة الرئيسية ..واذ بذلك الموظف اللعين في انتظاره فيعاجله بطعنة قاتلة في القلب... يسقط علي اثرها غارقا في دمائه وسط ذهول الناس أجمعين ...تعلو الصرخات ..يرتمي العجوز علي صدر الشاب يبكي ..يتألم ..يحركه في ذهول ...يشعر في تلك اللحظه أنه تسبب في موته وحرمان أمه وأبيه منه ..يأسف علي أن عمره قد طال الي أرذله ليكون سببا في موت الشهامة والاخلاص في زمن ندرت فيه تلك الأخلاق السامية ..يمسك الجميع بالموظف البلطجي بعد مطاردة دامية ..تأتي الشرطة وفي اثرها سيارة اسعاف يذهب القتيل ضحية شهامته الي المشرحة والقاتل مكبلا في سيارة الشرطة ليكمل بقية حياته في سجن وشقاء ..ويبقي الشيخ جالسا علي الأرض ينعي المروءة ومكارم الأخلاق للانسانية علي نبضات وصرخات أم أصبحت ثكلي .
************************** ****
تحياتي لكم من القلب
الكاتب والشاعر
عاطف عبد الله
...................
..........................
شيخ قد تخطي ربيعه السبعين بعامين.. يدخل من الباب العمومي لمكتب التأمينات تتخبطه الأكتاف المتزاحمة من رجال ونساء وأطفال وفتيان وفتيات ..يشق طريقه بصعوبة بالغة ..ممسكا في يمينه ببطاقة الحصول علي معاشه الشهري الهزيل ..ويتكئ بيسراه علي عكازه الذي يحاول به صلب ما تبقي له من بدن هزيل ...ألقت عليه كل السنوات السحيقة... بالكثير من هموم الدنيا وويلاتها ..وتعانقت أخاديد الزمن المحفوره في كل أنحاء وجهه المحدب مع نظرات عينيه الضيقتين الحائرتين الحزينتين .. انتصف نهار ديسمبر البارد الا أن معطفه الأسود المرقع والذي يحتوي جسده النحيل لايكفيه ولا يغنيه من رعشة تنتابه من حين الي آخر ..الصالة المزدحة بالبشر دون نظام أو تمييز تحدث هرجا ومرجا بين مرتادي المكتب والموظفين ..ما زال الشيخ يصارع من أجل الوصول الي مكتب الموظف المختص ...هاهو يصل اليه أخيرا فيعطيه بطاقته ...وفجأة ينهال عليه سبا ولعنا ثم يلقي بالبطاقة في وجهه ..وهو يلوح للجميع قائلا :
--- شوفوا بقي ..اللي موش ها يحترم النظام موش أعمل له حاجة
--- أيوة يابني بس أنا في مقام والدك وعيب كدة لما تكلمني بالطريقة دي وبعدين المفروض انو أنا ليا الأولوية.. أنا تعبان ومريض وراجل طاعن في السن
--- يعني انت أحسن من الناس دي كلها ...وبعدين انت عاوز ايه من الدنيا تاني ..انتة ها تاخد زمنك وزمن غيرك ...امشي ارجع واقف في الصف ...
تدمع عينا الشيخ الكبير تحسرا علي هذا الزمن الغريب الذي لم يعهده من قبل ولم يتربي عليه منذ أن وطأت قدماه الي تلك الدنيئة ..وقد علمه أبيه قاعدتين هامتين أولاهما أن يحترم الصغير الكبير وثانيهما أن يعطف الكبير علي الصغير... وهكذا علمها لابنه الوحيد الذي لم يرد له الله الحياة ...فرحل وهوفي ريعان شبابه في حادث أليم ... ينظر الجميع اليه في شفقة ..يبدون كمن أكلت القطة ألسنتهم خوفا من تعطل مصالحهم من قبل هذا الموظف الجائر ...تقع من يسار العجوز منسأته قلم يقدر علي الانحناء ليلتقطها ..وفجأة ...يتقدم مسرعا نحوه في انحناءة خاطفة ..شاب من الخلف ليلتقطها ويعطيها اليه ثم يتأبط ذراع الشيخ ويعود به في رفق الي ذلك الموظف عديم الاحترام .. وهو يصرخ في وجهه في غضب :
--- هوا أبوك علمك تعامل الضعفاء والشيوخ بتلك الطريقة القذرة
ينظر الموظف اليه مندهشا ثم يهب واقفا صارخا بأعلي صوته :
--- أيوة أيوة اعمل بطل عليا انت كمان ...تعالوا ياناس شوفوا العطلة بتيجي منين ..طب ايه رأيك انو موش ها ياخد مرتبه النهاردة ويا انا يا انت وهوا ..
تمتد يد الشاب الي الموظف لتصفعه صفعة قوية ثم يمسك بتلابيبه فيكاد يخنقه فيهرع اليه زملاؤه فيخلصونه من يد الشاب الواثق من نفسه.. فينصرف الي الداخل ويأتي غيره فيقوم بصرف المعاش للشيخ الكبير في صمت وذهول من الجميع... ثم يحتضنه في حنان ويسير معه الي البوابة الرئيسية ..واذ بذلك الموظف اللعين في انتظاره فيعاجله بطعنة قاتلة في القلب... يسقط علي اثرها غارقا في دمائه وسط ذهول الناس أجمعين ...تعلو الصرخات ..يرتمي العجوز علي صدر الشاب يبكي ..يتألم ..يحركه في ذهول ...يشعر في تلك اللحظه أنه تسبب في موته وحرمان أمه وأبيه منه ..يأسف علي أن عمره قد طال الي أرذله ليكون سببا في موت الشهامة والاخلاص في زمن ندرت فيه تلك الأخلاق السامية ..يمسك الجميع بالموظف البلطجي بعد مطاردة دامية ..تأتي الشرطة وفي اثرها سيارة اسعاف يذهب القتيل ضحية شهامته الي المشرحة والقاتل مكبلا في سيارة الشرطة ليكمل بقية حياته في سجن وشقاء ..ويبقي الشيخ جالسا علي الأرض ينعي المروءة ومكارم الأخلاق للانسانية علي نبضات وصرخات أم أصبحت ثكلي .
**************************
تحياتي لكم من القلب
الكاتب والشاعر
عاطف عبد الله
...................

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق