مجلة البوح الأدبية

مجلة البوح الأدبية

الاثنين، 28 نوفمبر 2016

قصة قصيرة : الكلاب ،/ بقلم : توفيق صاولي قسنطينة





قصة قصيرة : الكلاب

القاعة مربعة الشكل مذهلة؛ شبيهة بصالة جماعية لسجن مغلق؛ اختنقت بجماليتها الفتية
حول محيطها وضع سور قصير عليه حاجز زجاجي كبير زينته مداخل صغيرة مرقمة ، كانت الكثرة من هذه المداخل تعج بسلاسل طويلة من الناس يشبهون في وقوفهم تلك اللعبة التي يحبذها الصغار و يطلقون عليها اسم القطار . ان العجائز الضعيفات مازلن يقبعن تحت تلك الاسوار هروبا من التعب في انتظار دورهن . كان مروان امام أحد هذه الشبابيك متوترا صامتا طوال الوقت
فدوره لم يصل بعد لم يمنع نفسه من التمتع
بشحوب تلك الوجوه و تهول تلك الاجساد
التائهة كسفينة في عرض المحيط تاكلت مفاصلها من كثرة الانتظار مازال مدخل الشباك بعيدا عن مروان بعدد كبير من امثاله لذا لم يشأ أن يخرج ورقة الصك عليه أن يصبر و يطلب العافية مهما كان داخله مضطربا و متهيجا موسوما بلغة رمادية هشة تتخطفه معانيها كل لحظة تحثه على أن يهجم على هذا المدخل اللعين و يطلب من الموظفة التي تشبه الدمية أن تصرف له الصك فالحق في كثير من الاحيان لا ياخذ إلا بالقوة؛ علق احد الوقوف :
_ نتعب في العمل و نتعب في أخذ حقنا
رد عليه زميله الواقف إلى جانبه:
_ إلا أن صرف المرتب لا يحتاج إلى وقت كبير
ضحك احد الكهول اعجبته العبارة إن ملطف الجو هذا القريب من رؤوس هؤلاء المنتظرين لا يلطف الجو ابدا بل يزيده سخونة.
_ اوففف تافف مروان و قد تبين انه قد تشبع بالا نفعال و القلق النامي ابدا .
مجموعة من النساء تقلقن في سلسلة مشوشة يلتفتن حول ذلك المدخل الضيق لم يعرف مروان مهمته و لكنه علم انه منفذ لسحب المال المرأة الثخينة التي تقابله و التي اقترب دورها تعاني تتلوى مثله من كثرة الوقوف لم تعد تحتمل حاولت الجلوس تحت سور الشباك إلا أن العجائز الشاطرات سبقوها إلى ذلك و احتلوا أرض الصالة.
_ احذري دوري قالت عجوز جالسة
_ اعرف لا تخافي ردت أخرى واقفة.
عون الامن يتجول بين السلاسل التي تتقابل و تتقاطع و تتوازى يحاول أن يجعل منها خطوطا مستقيمة
_ اقيموا الصف هيا.. هيا اقيموا الصف.
_ انك محق قال احدهم
_ هيا اقيموا الصف.
تتراص الصفوف و تستقيم و لكنها سرعان ما تعود إلى اعوجاجها؛ مازال مروان قابعا في مكانه كالحجر واقفا رغم رغبته الكبيرة في الجلوس . قال في نفسه موظفة الشباك غير مهتمة انها بطيئة جدا
_ لقد ذهبت. قال احدهم
_ إلى أين . قال آخر
حامت حول الطابور الشكوك و سرت في عروقه الانفعالات المكبوتة ارتجت البواطن و تراكمت التساؤلات.
_ لعل الجهاز تعطل كالبارحة.
_ ايه نعم حوالي ساعة إلا ربعا
_ مشكلة يبدو اننا سننتظر طويلا .. كل هذا و مروان لم يتزحزح عن صفه فكر أن ينسحب إلا أن الشجاعة خانته و السلسلة تقلصت امامه عليه أن يصبر وقتا آخر على كل ستنسيه قيمة الصك هذا الوقوف مهما كان طويلا .
انتقل عون الامن الى طابور آخر يشبه امواج البحر في احتدام الماء يرج جوانبه بعنف لقد تعب الواقفون في الطابور مثل مروان تماما لذا بدؤوا يعلقون.
_ الموظفة ذهبت انها تتمسخر.
_ يا لهم من موظفين.
_ لقد طلبت من احدهم أن يلقاها من الجهة الاخرى.
الصمت يتشكل جسدا في شتى الوضعيات ، جاءت إحدى الفتيات تجر عطرا فواحا علقت على الطابور الطويل المعطل
_ واقفون كالعبيد.. انهم يعاملوننا كالكلاب
جاءت اخرى اكثر جرأة كانت ذكية و حاذقة قالت لمرافقتها
_ لن اقف كالكلاب
عادت الموظفة تأسفت غطت سوء ادبها بحركات و كلمات غامضة.
_ آسف لاشيء في الحساب
_ اووه.. دوماج
استحسن الطابور الحادثة رغم انه لم يقف في طريقها و لم يكن احد من المشكلين له الشجاعة على شتيمتها (الكلاب)
كان مروان الذي اضحى يتلوى يمنة و يسرة قد فكر في هذه العملية ذات البداية الناجحة . المرأة دائما قادرة لا شك أن ما تحمله بين يديها يحقق لها انتصارات عظيمة.
حتى الجهاز الذي كان متوقفا عاد ليشتغل بعد حضور هذه الفزراء. هكذا علق مروان في نفسه عبس محمر الاوداج حانقا الى حد الاغتباط لقد تعطل الجهاز اكثر من نصف ساعة و هو واقف في هذا الطابور المرتبك لأكثر من ساعة استدار إلى جهة رجل طويل جاء لتوه لم يقل شيئا مر مباشرة الى الشباك ثلاث مرات و هو يعيد ملء صكه إلا ان الموظفة ترفضه . تقلص الطابور لم يبق لمروان إلا شخص واحد يقف أمامه ؛اخرج صكه الذي تسلمه من مدير المؤسسة الخاصة التي يتعامل معها ؛ وضعه امام المدخل مع بطاقة الهوية . قال أحد الواقفين خلفه في الطابور:
_ يبدو أن وقت التبديل قد حان.
_ انه دور الفوج الثاني قال آخر .
_ لن يتطلب الأمر أكثر من ربع ساعة قال ثالث.
مازال الرجل الطويل ذو الأسنان المتهدمة يعيد كتابة صكه الرابع إلى جانبه وقف عون الامن المكلف بالتنظيم ، في الصف الموازي كانت المرأة الثخينة تتجادل مع الموظف المنشغل باوراقه .
_ منذ الصباح و انا واقفة في الطابور و عند وصول دوري تقول لي ليس هنا.
_ يا اماه قلت لك توجهي إلى البريد المركزي.
_ يابني..
_ قلت مكانك البريد المركزي.. رأسي يكاد ينفجر..أرجوك..
بدأت ذرات الدم تتسارع في عروق جسد مروان لقد وصل دوره الذي انتظره لأكثر من ساعتين مثل المرات السابقة التي حضر فيها حاملا هذا الصك ؛ سحبته الموظفة و بطاقة الهوية في أقل من دقيقة و بعد تمرير اصابعها على تلك الازرار المعلمة رمت بعلامة تأسف و استفهام و ابتسمت في اشفاق انها تعرفه كزميلها الذي يجلس إلى جانبها.
تمت

بقلم : توفيق صاولي
قسنطينة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق